قصة خيالية
نُورٌ يَحْفَظُ القَلْبَ
بِالنِّسْبَةِ لِرَيَّانَ، الشَّابِّ الَّذِي يَبْلُغُ مِنَ العُمْرِ تِسْعَةَ عَشَرَ عَامًا وَيَعِيشُ فِي بَيْتٍ بَسِيطٍ عَلَى هَامِشِ المَدِينَةِ، لَمْ يَكُنِ القُرْآنُ الكَرِيمُ مُجَرَّدَ كِتَابٍ يُقْرَأُ فِي وَقْتِ الفَرَاغِ، بَلْ كَانَ نَفَسَ حَيَاتِهِ وَمِحْوَرَ وُجُودِهِ كُلِّهِ. مُنْذُ نُعُومَةِ أَظَافِرِهِ، تَرَبَّى رَيَّانُ بِانْضِبَاطٍ عَالٍ فِي مَعْهَدٍ لِتَحْفِيظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلَى يَدَيْ أَبِيهِ المَرْحُومِ، الَّذِي كَانَ مُعَلِّمَ قُرْآنٍ بَسِيطًا غَرَسَ فِي قَلْبِ ابْنِهِ حُبَّ كَلَامِ اللهِ تَعَالَى فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ فِي الدُّنْيَا. وَبِفَضْلِ المُثَابَرَةِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الكَلَلَ، وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الطَّوِيلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، نَجَحَ رَيَّانُ فِي حِفْظِ ثَلَاثِينَ جُزْءًا مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ حِفْظًا مُتْقِنًا فِي سِنِّ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ. وَفِي صَدْرِهِ، كَانَ هُنَاكَ طُمُوحٌ كَبِيرٌ يَشْتَعِلُ، حَيْثُ أَرَادَ أَنْ يُكْمِلَ دِرَاسَتَهُ الجَامِعِيَّةَ فِي جَامِعَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ مَشْهُورَةٍ عَبْرَ مِنْحَةٍ دِرَاسِيَّةٍ كَامِلَةٍ لِحَفَظَةِ القُرْآنِ، وَفِي النَّفْسِ الوَقْتِ، كَانَ يَحْلُمُ بِالفَوْزِ فِي المُسَابَقَةِ الوَطَنِيَّةِ لِحِفْظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ. كَانَ هَذَا الإِنْجَازُ العَظِيمُ وَعْدًا مُقَدَّسًا يُرِيدُ أَنْ يُقَدِّمَهُ لِرُوحِ أَبِيهِ، وَالطَّرِيقَ الوَحِيدَ لِرَفْعِ مَكَانَةِ أُمِّهِ الَّتِي بَاتَتْ تُكَافِحُ وَحْدَهَا لِتَكْسِبَ الرِّزْقَ كَبَائِعَةِ كَعْكٍمُتَجَوِّلَةٍ. لَمْ يَكُنْ رَيَّانُ مَوْهُوبًا بِالحِفْظِ القَوِيِّ فَحَسْبُ، بَلْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ أَيْضًا بِصَوْتٍ رَخِيمٍ وَعَذْبٍ يَشْفِي الصُّدُورَ، مِمَّا جَعَلَهُ دَائِمًا مَحَطَّ أَنْظَارِ الجَمِيعِ وَفَخْرًا لِمَعْهَدِهِ.
وَلَكِنَّ عَجَلَةَ الحَيَاةِ دَارَتْ إِلَى نُقْطَةٍ قَاسِيَةٍ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنْ بِدَايَةِ الاخْتِبَارَاتِ وَالمُسَابَقَةِ الوَطَنِيَّةِ. أُمُّهُ، المَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ المَلَاذَ الوَحِيدَ لِرَيَّانَ، سَقَطَتْ مَرِيضَةً مَرَضًا شَدِيدًا بِسَبَبِ التَّعَبِ المُتَرَاكِمِ، وَاحْتَاجَتْ إِلَى عِلَاجٍ مُكَثَّفٍ وَأَدْوِيَةٍ غَالِيَةٍ كُلَّ يَوْمٍ. هَذِهِ الأَزْمَةُ الصِّحِّيَّةُ هَدَمَتْ اسْتِقْرَارَ حَيَاتِهِمَا، وَاسْتَنْفَدَتْ كُلَّ أَمْوَالِهِمَا المَدْخُورَةِ، مِمَّا جَعَلَ رَيَّانَ مُجْبَرًا عَلَى تَرْكِ حَيَاتِهِ العِلْمِيَّةِ مُؤَقَّتًا لِيَعْمَلَ حَمَّالًا فِي السُّوقِ المَرْكَزِيِّ الصَّاخِبِ مِنْ أَجْلِ نَفَقَةِ أُمِّهِ. هَذَا الضَّغْطُ الشَّدِيدُ بَدَأَ يُضْعِفُ جَسَدَهُ حَتَّى أُصِيبَ بِالْتِهَابٍ حَادٍّ فِي الحَنْجَرَة ، وَمَنَعَهُ الطَّبِيبُ مِنَ القِرَاءَةِ بِصَوْتٍ عَالٍ. بِسَبَبِ التَّعَبِ، بَدَأَ حِفْظُ رَيَّانَ يَهْتَزُّ، وَفِي لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي وَهُوَ بِجَانِبِ سَرِيرِ أُمِّهِ، حَاوَلَ أَنْ يُرَاجِعَ حِفْظَهُ، وَلَكِنَّ لِسَانَهُعَجَزَ، وَنَسِيَ تَكْمِلَةَ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَبَكَى دُمُوعًا حَارَّةً شَاعِرًا بِالذَّنْبِ الشَّدِيدِ وَالخَوْفِ مِنْ فُقْدَانِ القُرْآنِ مِنْصَدْرِهِ.
بَلَغَتِ الأَزْمَةُ ذِرْوَتَهَا قَبْلَ أُسْبُوعٍ مِنَ المُسَابَقَةِ، عِنْدَمَا حَاوَلَ رَيَّانُ أَنْ يَقْرَأَ حِفْظَهُ أَمَامَ شَيْخِهِ، الكِيَاهِي أَحْمَدَ. بِسَبَبِالقَلَقِ الشَّدِيدِ، كَانَتْ قِرَاءَتُهُ مُضْطَرِبَةً وَصَوْتُهُ المَبْحُوحُ انْقَطَعَ فِي مَنْتَصَفِ الآيَةِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ بِحُزْنٍ: "يَا رَيَّانُ، إِنَّالقُرْآنَ غَيُورٌ، سَيَرْحَلُ مِنَ القَلْبِ إِذَا انْشَغَلْتَ عَنْهُ بِالدُّنْيَا". تِلْكَ الكَلِمَاتُ هَزَّتْ قَلْبَهُ، فَانْطَوَى رَيَّانُ فِي زَاوِيَةِ المَسْجِدِالمُظْلِمَةِ يَسْجُدُ طَوِيلًا وَيَبْكِي بِحُرْقَةٍ مُشْتَكِيًا ضَعْفَهُ لِلَّهِ تَعَالَى. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، رَأَى صَدِيقَهُ الجَدِيدَ "ذِكْرِي"، وَهُوَشَابٌ كَفِيفٌ (أَعْمَ) يَحْفَظُ القُرْآنَ بِالسَّمْعِ فَقَطْ، يَمْشِي بِثَبَاتٍ فِي المَطَرِ لِيَتَوَضَّأَ لِصَلَاةِ التَّهَجُّدِ، ثُمَّ يَقْرَأُ القُرْآنَبِطُمَأْنِينَةٍ عَجِيبَةٍ. حِينَهَا، جَاءَ صَدِيقُهُ الحَمِيمُ "أَنْدْرَا" وَوَبَّخَهُ بِقَسْوَةٍ قَائِلًا: "يَا رَيَّانُ، انْظُرْ إِلَى ذِكْرِي الَّذِي لَا يَرَى الدُّنْيَاوَلَكِنَّ قَلْبَهُ مُضِيءٌ بِالقُرْآنِ، بَيْنَمَا أَنْتَ تَسْتَسْلِمُ لِمُجَرَّدِ مَرَضِ الصَّوْتِ! هَلْ كُنْتَ تَحْفَظُ القُرْآنَ لِلَّهِ أَمْ لِتَنَالَ مَدْحَ النَّاسِلِصَوْتِكَ؟" هَذَا السُّؤَالُ أَيْقَظَ رَيَّانَ مِنْ غَفْلَتِهِ، وَعَرَفَ أَنَّ القُرْآنَ لَيْسَ عَقَبَةً، بَلْ هُوَ المُنْقِذُ الوَحِيدُ لَهُ فِي وَسَطِالمَصَائِبِ.
عَادَ رَيَّانُ بِيَقِينٍ جَدِيدٍ وَنِيَّةٍ خَالِصَةٍ، فَبَدَأَ يُرَاجِعُ القُرْآنَ فِي سِرِّهِ (فِي قَلْبِهِ) بِتَرْكِيزٍ مُضَاعَفٍ، وَلَمْ يَفْتُرْ لِسَانُهُ عَنِ الذِّكْرِحَتَّى وَهُوَ يَحْمِلُ الأَكْيَاسَ الثَّقِيلَةَ فِي السُّوقِ. وَمَعَ هَذَا الإِخْلَاصِ، بَدَأَتِ المُعْجِزَاتُ تَظْهَرُ؛ حَيْثُ تَكَفَّلَ تَاجِرٌ غَنِيٌّ فِيالسُّوقِ بِجَمِيعِ مَصَارِيفِ دِرَاسَتِهِ الجَامِعِيَّةِ إِعْجَابًا بِأَخْلَاقِهِ، كَمَا شُفِيَتْ أُمُّهُ تَمَامًا بِفَضْلِ اللهِ وَبَرَكَةِ الآيَاتِ الَّتِي كَانَيَقْرَؤُهَا عِنْدَ رَأْسِهَا. وَفِي يَوْمِ المُسَابَقَةِ الوَطَنِيَّةِ، صَعِدَ رَيَّانُ إِلَى المِنْبَرِ بِثَوْبِ أَبِيهِ الأَبْيَضِ المَحْفُوظِ، وَقَلْبُهُ مَلِيءٌبِالسَّكِينَةِ. وَعِنْدَمَا سَأَلَهُ المُرَاقِبُونَ سُؤَالًا صَعْبًا مِنْ سُورَةِ الأَنْعَا، أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ وَبَدَأَ يَقْرَأُ بِصَوْتٍ عَمِيقٍ وَبِخُشُوعٍ هَزَّأَرْكَانَ القَاعَةِ، وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ خَالِيَةً مِنْ أَيِّ خَطَأٍ، مِمَّا جَعَلَ الحَاضِرِينَ وَالمُحَكِّمِينَ يَبْكُونَ مِنْ شِدَّةِ التَّأَثُّرِ بِإِخْلَاصِهِ.
بَعْدَ أَسَابِيعَ، أُعْلِنَتِ النَّتَائِجُ الرَّسْمِيَّةُ، وَجَاءَ اسْمُ رَيَّانَ فِي المَرْكَزِ الأَوَّلِ مَعَ المِنْحَةِ الدَّرَاسِيَّةِ الكَامِلَةِ. وَفِي لَحْظَةِالسُّجُودِ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى وَهُوَ يَحْتَضِنُ أُمَّهُ وَأَصْدِقَاءَهُ، عَرَفَ رَيَّانُ أَنَّ الفَوْزَ الحَقِيقِيَّ هُوَ انْتِصَارُهُ عَلَى الخَوْفِ وَالأَنَانِيَّةِفِي دَاخِلِهِ. وَتُعَلِّمُنَا قِصَّةُ رَيَّانَ رِسَالَةً مُؤَثِّرَةً جِدًّا؛ أَنَّ القُرْآنَ الكَرِيمَ وَالأَحْلَامَ النَّبِيلَةَ لَيْسَتْ عِبْئًا يُضَيِّقُ أَوْقَاتَنَا، بَلْ هِيَمَفَاتِيحُ السَّمَاءِ الَّتِي تَفْتَحُ كُلَّ أَبْوَابِ التَّيْسِيرِ فِي وَسَطِ ضِيقِ الحَيَاةِ، وَأَنَّ الحَافِظَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ مَنْ يَطْلُبُ مَدْحَ النَّاسِ،بَلْ مَنْ يَحْفَظُ الأَمَانَةَ بِإِخْلَاصٍ فِي كُلِّ حَالٍ.
Komentar
Posting Komentar